حديث الفيسبوك و قضية حراك الريف ، الى اين وصلنا؟

عندما أسمع الخطاب الرسمي يتحدث عن ما يحدث في الريف هذه الأيام، ويقارنه بما حدث قبل أشهر، وعندما أسمع أن الدولة كانت متسامحة مع المحتجين وأنهم تمادوا في سلوكاتهم لذلك وجب “التعامل معهم بحزم”، وعندما أسمع “للبعض” يتحدث بهذه اللغة: “كنا كلنا مع الحراك لكن عندما زاغ عن أهدافه أصبحنا ضده”…قلت عندما أسمع لكل ذلك يُخيّل لي وكأني لم أكن في المغرب، وأني تجمدت طيلة 7 أشهر، وأن السلطة فعلا كانت متسامحة مع أبناء الريف وأن “البعض” لم ينعتهم بكونهم أصحاب فتنة وانفصال.
قلت مع نفسي لماذا لا أعود إلى هذا الحائط لعله ينعش ذاكرتي ويؤكد كلام الخطاب الرسمي أو ينفي مزاعمي بأن الدولة لم تكن متسامحة وأنها فعلا واجهت المحتجين بأسلوب متصلب منذ البداية:
وهذا بعض ممّا ضبطتُني متلبّسا بتدوينه خلال الأيام والأسبايع القليلة التي أعقبت استشهاد المرحوم الفكري:

تدوينة رقم: 3
ليس التضامن مع إنسان قُتِل بطريقة همجية هو “الفتنة”، بل الفتنة هي أن تَفتِن الناس في أرزاقهم وتقهرهم في حقوقهم وتُسفّه أحلامهم. ليست مسيرات التنديد والمطالبة بالانصاف هي “الفتنة”، بل الفتنة هي سيادة الظلم، واختلال الموازين، والتفقير المُمنهج، والاستحواذ المتواصل على الخيرات والمصالح والمنافع. لا يتسبب في “الفتنة” من يخرجون للشوارع من أجل المطالبة بدولة القانون وتحقيق العدالة الاجتماعية، بل الفتّانون هم الذين يتسلّطون على الناس بكل أوجه القمع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، ويجعلون البلد على فوهة بركان.
بحرمانكم الناس من العدالة الاجتماعية، وتكريسكم دولة اللامساواة والفقر والخوف والإدلال، تكونون قد فتنتم الناس في حياتهم وعرضتموهم لكل صنوف الإهانة، وجعلتم الفرق بين حياتهم ومماتهم يكاد يكون غير محسوس.

تدوينة رقم: 5
خرج أبناء الحسيمة ونواحيها بمطالب يريدون من الدولة تلبيتها، وساروا في مظاهرات سلمية منذ طُحن الشهيد فكري، لكنهم تلقوا استجابة وحيدة من الدولة تتمثل في القمع والاعتقال. ومع ذلك ستجد من يتهم هؤلاء بأنهم دعاة فتنة وانفصال، والحال أنهم يقدمون كل يوم الدليل تلو الآخر على أنهم وطنيون مواطنون، يأبون الظلم، ولديهم نخوة وكرامة يرفضون أن تداس أو تُمتهن.

تدوينة رقم: 6
ما يحدث في مدينة الحسيمة من تجاهل وتهميش وقمع وسحل واعتقالات، لن يساهم إلا في اضافة مزيد من الزيت على النار. ما الذي فعله هؤلاء حتى يتعرضون لكل هذا الظلم؟ هل لأنهم رفضوا دفن رؤوسهم في عتمة الجبن والتخلي عن حق شهيد قتل بطريقة همجية؟ هل لأنهم استمروا -رغم حجم التتضييقات- في طلب انصاف المرحوم فكري، ورفضوا كل الوعود الكاذبة على غرار وعود التحقيق في الجرائم السابقة؟ للأسف، بدل أن تستجيب الدولة لمطالب المتظاهرين، أرسلت لهم قوات “القمع” لكي تسحلهم، وتعتقلهم. ومع ذلك ستجد من بيننا من يشهر تهمة جاهزة في حق أبناء الريف ويتهمهم بأنهم انفصاليون. والحال أن الانفصاليين الحقيقيين هم من جعلوا من القمع وسيلة لتلبية المطالب.

تدوينة رقم: 9
قال وزير الداخلية أن “دعاة الاحتجاج معروفين وسيتم التعامل معهم”. بمعنى أن الرجل يهدد دعاة الاحتجاج، وكأن الدعوة إلى الاحتجاج جريمة يعاقب عليها القانون. عليك أن تعلم أيها “الوزير” الذي لم تعرف من نظم “مسيرة ولد زروال” أن الاحتجاج حق مشروع تكفله جميع الشرائع. وإذا كنت ستتعامل مع دعاة الاحتجاج وستبحث عنهم بين الرؤوس، فأن شخصيا أقول لك بأني أدعو كل مظلوم بأن يحتج بكل الطرق السلمية الموجودة ضد ظالمه، وأن ينتفض بكل السبل المشروعة في أوجه الفراعنة. للأسف ابتُلينا بناس لا تستطيع التفريق بين الاحتجاج الذي هو من أنبل الممارسات السياسية والحقوقية، وبين “الشغب”. وبين الدعوة إلى الاحتجاج والدعوة إلى “إتلاف الممتلكات”. نريد شعبا حرا لا شعبا خانعا، شعبا رافعا رأسه لا شعبا مطأطأ الرأس. حتى البهائم تودّ لو تنتصب قاماتها وأنتم بكثرة إخضاعنا تريدون أن تصير أيدينا قوائم (مع الاعتذر للكواكبي على التحوير) #أنا_من_دعاة_الاحتجاج

تدوينة رقم: 10
لو اعتذر النظام السياسي المغربي عن سلوكياته حيال المواطنين، واعترف بأخطائه المتمثلة في قصف المواطنين بالريف بالطائرات، ونعته لمواطني الشمال ومراكش بـ “الأوباش” الذي هم “عاطلون عن العمل ويعيشون على السرقة والتهريب”، لَمَا جاء شخص تافه ينتمي إلى حزب صنعته الإدارة، لكي تنعث مواطنين بـ”الأوباش” رغم أنهم لم يرموا حجرا ولم يحرقوا ورقة بل عبّروا عن غضبهم بطرق سلمية (كادت ابريطانيا أن تُحرق عن بكرة أبيها لما انتفض المواطنون سنة 2009 احتجاجا على مقتل متظاهر ضد قمة العشرين، ومع ذلك لم ينعتهم أي تافه بـ “الأوباش” بل استجابوا لمطالهم وهدّؤوا من غضبهم) لم يعتذر النظام عن ما حدث، بل قال الحسن الثاني في خطاب 1984 لمواطني الريف “الناس ديال الشمال راهم عارفين ولي العهد وأحسن ما يعرفوش الحسن الثاني في هاذ الباب”. (الخطاب موجود على اليوتيوب بالصوت والصورة). ولم يعتذر النظام الحالي عن أخطاء النظام السابق، ولم يتم تصحيح الأخطاء. لذلك يظهر بين الفينة والأخرى أشخاص تافهون منهم من وصل إلى المؤسسات بالرشوة وشراء الضمائر لكي يستحسنوا خطابا مفرطا في الديكتاورية والعنصرية. الذي عليه الاعتذار ليس فقط هذه المرأة التي وصلت إلى مجلس نواب الشعب بالصدفة وبأشياء أخرى، بل النظام السياسي كله يجب أن يعتذر للشعب وأن يتم تشريع نصوص دستورية تجعل من العنصرية والشوفينية والديكتاتورية والنعوت الحاطة بالكرامة جرائم يعاقب عليها القانون المحلي والدولي. أما في غياب ذلك فإنه من غير المنتظر أن ينظر “خدام الدولة” للمغاربة كمواطنين يجب احترامهم وإنما كرعايا وأوباش يجب استعمال الغِلظة والفضاضة معهم مادام رأس الدولة يراهم على ذلك النحو.
ملحوظة: تلك التدوينات التي كُتبت قبل 8 أشهر تشبه كثيرا تلك المقالات التي كُتبت قبل 60 سنة حول أحداث 1959، وتشبه الكثير ممّا يُكتب هذه الأيام، وكأن لا شيء يتغير، وكأن النظام السياسي المغربي لا يريد أن يستفيد من الأخطاء.

شاهد أيضاً

مهرجان موازين في المغرب، الشعب يبكي فقرا والأقليات الغنية تبكي عهرا

ويز خليفة Wiz Khalifa  بهذا الشكل أقام حفلته ضمن سلسلة حفلات مهرجان موازين بفضاء السويسي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *