خواطر أستاذ على حال التعليم بالمغرب

 

بينما كنت عائدا من العمل، في سيارة اجرة من الحجم الكبير، جلسي بقربي رجل يبدوا عليه الوقار والجدية. أخد ينظر الي ثم قرا علي السلام وسألني ما عملك يا صديقي؟ فأجبته انا اعمل استاذا.

سكت لحظة ثم بدا في توجيه سهام الانتقادات الى نساء ورجال –دون مقدمات- واتهمهم بالتقصير في أداء الواجب وغياب الضمير في العمل والمتاجرة في “أحلام التلاميذ” (يقصد الساعات الإضافية) واننا نحن ابناء الشعب (يقصد نفسه واخرين) من يدفع الثمن لأننا ابنائنا يدرسون عندهم. لاحظت انه يكثر من ترديد كلمة “معلم”. لا اعرف هل امعانا في الاذلال ام جهلا منه!؟

تركته حتى انهى كلامه ثم بادرته بالسؤال، أليس “المعلم” من ابناء الشعب؟ تلعثم ولم يقدر على الجواب. ثم سألته ثانيا، من يلج بوابة الوظيفة العمومية، هل ابناء الطبقة الكادحة من أبناء الشعب ام ابناء الطبقة البرجوازية؟ فأجاب وهو مسرور وواثق من نفسه: طبعا ابناء الشعب!!

فاردفت قائلا: اذن المعلم من أبناء الشعب مثله مثل ابنك الذي يدرس عنده.

أخذ ينظر الي وهو صامت غير قادر على الاجابة. لكني كسرت صمته وقلت له : يا اخي الكريم في اي قطاع مهني هناك الصالح والطالح. هناك الحسن والسيء. تجد من يعمل بضمير وتجد من هو مقصر في واجبه .واحدثك عن تجربة والله شاهد على ما أقول: اكثر من 90 في المائة من نساء ورجال التعليم يعملون بضمير وبتفاني في العمل لن تجده في أي قطاع اخر.

لكن اليد الواحدة لا تصفق فالأسرة التي تنتظر منها مد يد العون بمراقبة أبنائها والحرص على تربيتهم اخلت بواجبها وبالتالي أصبح جيل هذا الوقت غير مهتم بالدراسة. جل اهتمامه هي في كيفية قضاء وقته في اللعب واللهو وتصفح الانترنيت والتنافس في وضع قصات الشعر الغريبة وارتداء السراويل الممزقة… وعندما يفشل التلميذ يعلقون فشله على المعلم. “مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ”.

الاسرة هي بيت الداء، فاذا عولج استقام جسد الامة. فقم بواجبك الاسري رحمك الله، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. ثم بعد ذلك حاسب المعلم ان رأيته مقصرا في واجبه.

ثم يا اخي، عوض توجيه انتقاداتك للمعلم الذي هو “ولد الشعب” ودرس في “مدرسة الشعب” وكان يستقل كل صباح “طوبيس ولاد الشعب” في اتجاه الى الجامعة ويأكل من ”مطعم ولاد الشعب”، وجه انتقاداتك لمن يتحكم في ثروات البلاد وخيراتها من ناهبي المال العام والمستفيدين من الريع من الوزراء والبرلمانيين والمنتخبين…. أنتم اخترتم “الحيط القصير” الذي هو الموظف المغلوب على امره والكارثة هي من نشاهده الان: مدارس فيها الاكتظاظ، مستشفيات في حالة يرثى لها، جيل بلا هوية ولا ثقافة،….

أخيرا، أقول لك هنيئا للدولة بكم، فبسببكم غلبت الدولة على امر المعلم والطبيب وأصبحا لقمة سائغة لمخططاتها الطبقية.

فأبشرك ان مكتسب مجانية التعليم والصحة سيصبح من الماضي لأن الدولة قريبا سوف تجهز عليهما. وابشرك ايضا أن التوظيف أصبح بالعقدة وأن زمن الترسيم في الوظيفة العمومية قد ولى وقريبا سوف يغلق بابها نهائيا.

فخد ابنك ودرسه في”المسيد” وعندما يكبر قل له ان يعمل “سراح للغنم” او “طالب معاشوا”.

وصلت الى وجهتي وتركته مشدوها ينظر الي بلا تحية ولا سلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *